السيد محمد تقي المدرسي

342

المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه)

بظاهرة أخرى ، بشرط أن تخضع هذه المقارنة ، لفكرة أو نظرية عامة . كل هذا ، دليل واحد على أن تكييف المنهج ، ضروري جدا ، في فهم العلم المراد بحثه . . يقول عن ذلك جون ديوي : البحث لأي علم من العلوم ، هو منه بمثابة دم الحياة ، وما ينفك منه وكل فن وكل صناعة ، وكل مهنة ، يخضع لما يقتضيه البحث « 1 » . عندما نكفر بمنهج : عندما نكفر بمنهج معين ، ماذا ننتظر ان يحدث ؟ ان النتيجة الطبيعية لذلك هي : أن ينتقم هذا المنهج منا ويسد علينا بابا جديدا للعلم . المدرسيون قديما ، كفروا بحق منهج الاستقراء ، وغالوا بالمقابل ، في شأن القياس ، وحرموا أنفسهم - بذلك - علوما كثيرة ، كانت تأتيهم من باب الاستقراء . وبين المناطق الجدد نجد ( روجييه ) هو الآخر ، حط من شأن الاستقراء ، إلى حد أن وصفه بأنه مناف للقواعد المنطقية ، وأنه ليس جديرا بأن يسمى تفكيرا « 2 » . وكانت النتيجة الطبيعية ، ان عقم التفكير البشري نتيجة اعتقاله في بيت القياس ( دون ان يفسح له المجال بالإنطلاق في رحاب التجربة ) . ومن جهة أخرى وقع طائفة كبيرة من الباحثين في أخطاء متنوعة ، نتيجة استهانتهم بالقياس ، واعتمادهم الكلي على الاستقراء ، ذلك لأن هذا الأخير لا يمكنه لوحده ان يفيدنا لأن مجرد تسجيل الحقائق الجزئية المبعثرة ، التي نصل إليها لا يكفي في نشأة العلم ، وفي تدعيمه . ( فالمعرفة العلمية الحقة هي التي تعمل على الاقتصاد في المجهود والتفكير ، ولو كانت هذه المعرفة قاصرة على ملاحظة كل ظاهرة على حدة ، دون البحث عن الصلة التي يمكن أن توجد بينها وبين ظواهر أخرى ، سبقت لنا معرفتها ، لوجب على كل جيل أن يستأنف الجهود التي

--> ( 1 ) - المنطق نظرية البحث ، ص 59 . ( 2 ) - المنطق ومناهج البحث ، ص 53 .